العيني

107

عمدة القاري

وهو مذهب العلماء كافة إلا أبا ثور ، فإنه جوزه ، ووافقه أبو الفرج المالكي ، رحمه الله تعالى ، واستضعفه النووي لوجهين : أحدهما : المراد بالنداء ههنا الإعلام . الثاني : المراد : قم واذهب إلى موضع بارز فناد فيه بالصلاة ، وليس فيه تعرض للقيام في حال الأذان . قال النووي : ومذهبنا المشهور أنه سنة ، فلو أذن قاعدا بغير عذر صح أذانه ، لكن فاتته الفضيلة ولم يثبت في اشتراط القيام شيء . وفي كتاب أبي الشيخ ، بسند لا بأس به عن وائل بن حجر ، قال : حق وسنة مسنونة ألاَّ يؤذن إلا وهو طاهر ، ولا يؤذن إلاَّ وهو قائم . وفي ( المحيط ) : إن أذن لنفسه فلا بأس أن يؤذن قاعدا من غير عذر ، مراعاة لسنة الأذان وعدم الحاجة إلى إعلام الناس ، وإن أذن قاعدا لغير عذر صح ، وفاتته الفضيلة ، وكذا لو أذن قاعدا مع قدرته على القيام صح أذانه ، وفيه : دليل على مشروعية طلب الأحكام من المعاني المستنبطة دون الاقتصار على الظواهر . وفيه : منقبة ظاهرة لعمر بن الخطاب ، رضي الله تعالى عنه . وفيه : التشاور في الأمور المهمة ، وأنه ينبغي للمتشاورين أن يقول كل منهم ما عنده ، ثم صاحب الأمر يفعل ما فيه المصلحة . وفيه : التحين لأوقات الصلاة . فوائد : الأولى : الاستشكال في إثبات الأذان برؤيا عبد الله بن زيد ، لأن رؤيا غير الأنبياء ، عليهم الصلاة والسلام ، لا يبني عليها حكم شرعي ، والجواب : مقارنة الوحي لذلك ، وفي مسند الحارث بن أبي أسامة : ( أول من أذن بالصلاة جبريل ، عليه الصلاة والسلام ، في السماء الدنيا ، فسمعه عمر وبلال ، رضي الله تعالى عنهما ، فسبق عمر بلالاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأخبره بها ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لبلال : سبقك بها عمر ) . وقال الداودي : ( روي أن النبي صلى الله عليه وسلم أتاه جبريل ، عليه الصلاة والسلام ، بالأذان قبل أن يخبره عبد الله بن زيد وعمر بثمانية أيام ) . ذكره ابن إسحاق ، قال : وهو أحسن ما جاء في الأذان ، وقد ذكرنا في أول الباب أن الزمخشري نقل عن بعضهم أن الأذان بالوحي لا بالمنام وحده . وفي كتاب أبي الشيخ : من حديث عبد العزيز بن عمران عن أبي المؤمل عن أبي الرهين عن عبد الله بن الزبير قال : ( أخذ الأذان من أذان إبراهيم ، عليه الصلاة والسلام ، * ( وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالاً . . . ) * ( الحج : 27 ) . الآية ، قال : فأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم ) . وقال السهيلي : الحكمة في تخصيص الأذان برؤيا رجل . ولم يكن بوحي ، فلأن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أريه ليلة الإسراء فوق سبع سماوات ، وهو أقوى من الوحي . فلما تأخر فرض الأذان إلى المدينة ، وأراد إعلام الناس بوقت الصلاة ، فلبث الوحي حتى رأى عبد الله الرؤيا ، فوافقت ما كان رآه في السماء ، قال : إنها لرؤيا حق إن شاء الله تعالى ) . وعلم حينئذ أن مراد الله بما أراه في السماء أن يكون سنة في الأرض ، وقوي ذلك موافقة رؤيا عمر ، مع أن السكينة تنطق على لسان عمر ، رضي الله تعالى عنه ، واقتضت الحكمة الإلهية أن يكون الأذان على غير لسان النبي صلى الله عليه وسلم ، لما فيه من التنويه بعبده ، والرفع لذكره ، فلأن يكون ذلك على لسان غيره أنوه وأفخر لشأنه ، وهو معنى قوله تعالى : * ( ورفعنا لك ذكرك ) * ( الشرح : 2 ) . وروى عبد الرزاق وأبو داود في ( المراسيل ) : من طريق عبيد ابن عمير الليثي ، أحد كبار التابعين : ( أن عمر ، رضي الله تعالى عنه ، لما رأى الأذان جاء ليخبر النبي صلى الله عليه وسلم فوجد الوحي قد ورد بذلك ، فما راعه إلاَّ أذان بلال ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : سبقك بذلك الوحي ) . الثانية : هل أذن رسول الله صلى الله عليه وسلم قط بنفسه ؟ فروى الترمذي من طريق يدور على عمر بن الرماح يرفعه إلى أبي هريرة : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم أذن في سفر وصلى بأصحابه ، وهم على رواحلهم ، السماء من فوقهم ، والبلة من أسفلهم ) . هكذا قاله السهيلي . وقال صاحب ( التلويح ) : هذا الحديث لم يخرجه الترمذي من حديث أبي هريرة ، كما ذكره السهيلي ، وإنما هو عنده من حديث عمر بن الرماح : عن كثير بن زياد عن عمرو بن عثمان بن يعلى بن مرة الثقفي عن أبيه عن جده ، وقال أبو عيسى : هذا حديث غريب ، تفرد به عمر بن الرماح البلخي ، لا يعرف إلاَّ من حديثه ، ومن هذه الطريقة أخرجه البيهقي وضعفه ، وكذا ابن العربي ، وسكت عنه الإشبيلي ، وعاب ذلك عليه ابن القطان بأن عمرا وأباه عثمان لا يعرف حالهما . ولما ذكره النووي صححه ؛ ومن حديث يعلى أخرجه أحمد في ( مسنده ) ، وأحمد بن منيع وابن أمية والطبراني في ( الكبير ) و ( الأوسط ) والعدني ، وفي ( التاريخ ) للأثرم ، و ( تاريخ الخطيب ) وغيرهم ، وقال الذهبي : يعلى بن مرة بن وهب الثقفي بايع تحت الشجرة وله دار بالبصرة . الثالثة : الترجيع في الأذان ، وهو أن يرجع ويرفع صوته بالشهادتين بعدما خفض بهما ، وبه قال الشافعي ومالك ، إلا إنه لا يؤتى بالتكبير في أوله . إلاَّ مرتين . وقال أحمد : إن رجَّع فلا بأس به ، وإن لم يرجع فلا بأس به . وقال أبو إسحاق